عمر فروخ
459
تاريخ الأدب العربي
ثم يخبرهم بها قبل انتشارها . وفي السجن نظم المتنبّي قصيدة يمدح فيها الوالي ويعتذر اليه بأنّ ما فعله كان ذنبا دعا اليه طيش الصبا ، ثم بالغ فقال عن نفسه إنّه صغير السنّ لم يجب عليه السجود « * » بعد ، فلا يجوز أن يعاقب بالحبس . وأراد الوالي التخلّص منه فأخرجه من السجن على أن يبتعد عن منطقة حمص ما أمكن . فذهب المتنبّي إلى جنوب الشام ( فلسطين ) وجعل يتطوّف في البلاد ويمدح نفرا من الأمراء والولاة والأعيان . في هذا الدور الأوّل نظم المتنبي شعره الموسوم بشعر الصبا ، في أغراض مختلفة ؛ وكان بعضه قصائد مطوّلة في المديح والفخر وذم الزمان ، وفي الحكم التي يحمل عليها الشباب من التهوّر والمغالاة في الاعتزاز بالنفس ومن الطموح : فؤاد ما تسلّيه المدام ، * وعيش مثلما تهب اللئام . وما أنا منهم بالعيش فيهم ، * ولكن معدن الذهب الرغام « 1 » . أرانب ، غير أنهم ملوك * مفتّحة عيونهم نيام . - أطاعن خيلا من فوارسها الدهر * وحيدا ؛ وما قولي كذا ومعي الصبر ؟ وأشجع مني كلّ يوم سلامتي ، * وما ثبتت إلّا وفي نفسها أمر . تمرّست بالآفات حتى تركتها * تقول : أمات الموت أم ذعر الذعر ؟ وأقدمت إقدام الأتيّ كأنّ لي * سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر « 2 » . ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ؛ * فمفترق جاران دارهما العمر . ولا تحسبنّ المجد زقّا وقينة ، * فما المجد إلا السيف والفتكة البكر « 3 » وتضريب أعناق الملوك ، وأن ترى * لك الهبوات السود والعسكر المجر « 4 » ؛
--> ( * ) يؤمر الأطفال في الإسلام بالصلاة إذا بلغوا سبع سنوات ويضربون على ترك الصلاة إذا بلغوا عشرا . ( 1 ) الرغام : التراب . معدن : أصل . ( 2 ) الآتي : السيل . وتر ( بفتح الواو أو كسرها ) : ثأر . ( 3 ) الزق : وعاء الخمر . القينة : الجارية المغنية . البكر : العظيمة ، التي لم يسبق مثلها . ( 4 ) الهبوة : العدد الكثير . السود الكثيرة السلاح . المجر : الكثير .